“كتبكم ليست لكم”*

طوال الأسبوع الماضي وأنا تحت تأثير فكرة وصلتني عبر البريد الألكتروني، أحاول أن أجد أفضل الطرق لتنفيذها وتطبيقها، وأشاور آخرين في مدى فعاليتها.

الفكرة بسيطة جداً، أبسط حتى من قضاء أسبوع في تأملها وتمعنها، لكن شدة إعجابي بها جعلني أتأخر بطرح الموضوع حتى أظن أني أستوفيه حقه.

الفكرة بدأت من هنا،ولم أجد أفضل من مقال للأديبة اللبنانية جمانة حداد قد كتب عنها:

وصل جيروم الى المحطة في لحظةٍ كان قطار الأنفاق ينطلق. جلس يرتاح على المقعد البلاستيكي الأصفر ريثما يصل المترو الباريسي التالي. حدّق الى اللوح الرقمي: ثمة زحام وتأخير، ولن يصل القطار الثاني قبل 12 دقيقة. تفحص المكان حوله: وجوه انتظار شاحبة ومتأففة، ترطّبها حماسة بعض السياح وأصواتهم العالية. نظر قربه: كتابٌ متروك على المقعد المجاور. لفته العنوان الأحمر على الغلاف البيج: “الجنس الوسيط”. Middlesex. انه بالانكليزية، وهو يتابع دروسا ليلية في الانكليزية بعد انتهاء دوام عمله. نظر الشاب حوله من جديد. لا أحد يبدو مهتما بالكتاب أو معنيا به. تناوله عن المقعد. اسم الكاتب غريب: جيفري اوجينيدس. ترى من يكون؟ فتح الكتاب الضخم بفضول وقلّب الـ 529 صفحة. نظر الى الفصل الأول، شدّته الجملة الافتتاحية: “ولدتُ مرتين، مرّة كفتاة في يوم صاف استثنائيا في ديترويت، في كانون الثاني 1960، ثم ثانية كفتىً مراهق في غرفة طوارىء قرب بيتوسكي، ميشيغان، في آب 1974″. فكر جيروم ان مالك الكتاب لا بد نسيه على المقعد، ورأى أن لا ضير من أخذه. عندما وصل المترو أخيرا، أكمل الشاب والكتاب المشوار معا.

ما لم يكن جيروم يعرفه آنذاك، واكتشفه في ما بعد عندما انتبه الى الكلمات المكتوبة على الصفحة الأخيرة من الكتاب، ان مالك “الجنس الوسيط” لم “ينس” كتابه، بل تركه. تركه هناك على ذاك المقعد البلاستيكي الأصفر عن سابق تصوّر وتصميم. لا بقصد التخلص منه، بل لكي “يتبناه” قارىء آخر، ويكون والدا موقتا له، مثلما يُترك طفل على باب ملجأ للأيتام. “انطلقت رحلة هذا الكتاب مع ديمي تشستر في 15 تشرين الأول 2003 في شيكاغو. يرجى ممن يجده أن يقرأه اذا كان مهتما، ثم ان يتركه بدوره في مكان عام عندما ينتهي منه”. لقد قطع كتاب اوجينيدس إذاً محيطا كاملا خلال سنة ونصف سنة من الترحال، ومن يعلم كم عدد الايدي والبلدان والعيون والقراء المختلفين الذين تنقّل بينهم، نساء ورجالا وشبابا ومسنين واقوياء وضعفاء وغاضبين ومرحين وعاشقين ويائسين الخ.

هذه، في اختصار، قصة من مجموعة قصص تشكل ظاهرة تشهد رواجا كبيرا في الغرب اليوم، تحمل اسم Book crossing، وقد “تورّطت” فيها حتى الآن 120 دولة من العالم. الظاهرة بدأت في الولايات المتحدة منذ بضعة اعوام، ومؤسسها اسمه رون هورنبايكر، يقيم في ميسوري، ويشبّه الكتب بالفيروسات: فيروسات جميلة تنتقل عدواها من انسان الى آخر ومن بلد الى بلد، والهدف: تحويل العالم مكتبة ضخمة ، وتسهيل القراءة المجانية.

فكرت إن كان يمكننا فعل ذلك، أن نترك كتباً على قارعة الطريق، نتركها لعابرين مجهولين، ننشر شيئا جميلاً بدون مقابل، ونستمتع ونحن نترك بعض منا لمن لا نعرف..

رغم كل المخاوف من الفشل، قررت التجربة، وسحبت 3 كتب من صندوق جمعت فيه كتباً ماطلت كثيراً في إهدائها لمكتبة عامة، وقررت أن أجازف بها..

كتبت على صفحاتها الأولى:

ووضعتها في حقيبتي، استعداداً لأي خروج قريب، وهو ما حصل عندما خرجت إلى متجر (بست) للإلكترونيات. لماذا كنت خائفة، وأتلمس حقيبتي بين الفينة والأخرى رغم يقيني بأني أفعل شيئا جيدًاً؟ في الحقيقة لا أعلم، إلا أني تيقنت بأن الأمر أصعب مما تخيلت، لكني تجاهلت خوفي بإخراج كتاب ووضعه بين أجهزة (اللاب توب) التي غالبا ما تحظى باهتمام معظم رواد متاجر الإلكترونيات، وابتعدت قليلاً لأرى ما إن كان سيلفت انتباه أحد، لكني خرجت دون أن يؤخذ.

لا أعلم إن كان قد وقع بيد مهتم، أو ربما أخذه عامل التنظيف الذي كان يمسح الطاولات القريبة، لكن بقي كتابان في حقيبتي ، سأتركهما في مكانين آخرين، وربما يأتي يوم أجد فيه كتاباً جميلاً، كنت أبحث عنه منذ زمن، وربما تعود إليّ كتبي يوماً وقد كتب عليها آخرون كم استفادوا منها، وأنهم يطلبون ممن يجدها أن يتركها في مكان عام آخر!

————-
*العنوان مقتبس من عنوان مقال جمانة حداد حول ذات الفكرة

أترك تعليقا